صور من الحياة الموريتانية
كتبهاالواثق بالله ، في 10 مايو 2008 الساعة: 15:02 م
السلام عليكم
إخوتنا الأحبة نشكر لكم اهتمامكم ومتابعتكم لهذه المدونة واقتراحاتكم البناءة التي ستساعد ان شاء الله على تطويرها والنهوض بها وفي هذا الركن نحاول الاستجابة لبعض تلك الاقتراحات وذلك بإدراج بعض المقالات والصور والتعليقات التي نشرت في مواقع ومدونات أخرى عن موريتانيا وحضارتها ونرجو أن نوفق في اختياراتنا وأن تواصلوا إخوتنا الكرام إمدادنا بالملاحظات والإرشادات القيمة وشكرا جزيلا لكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مشاهد حية.. من أعماق الصحراء
26/01/2007
محمد عبد الرحمن الدين ـ الجزيرة توك ـ نواكشوط
حتى لو كنت ابنا أصيلا لهذه الصحراء، ولدت بها ونشأت وترعرعت في أحضانها، ومشيت في مناكبها تسرح وتمرح في وديانها وسهولها وعلى أديم كثبانها الرملية الناعمة، إلى حد أنك لم تعد تتوقع أن يثير أي شيء فيها اهتمامك أو يلفت انتباهك، فإنك ستجد نفسك مأخوذا بروعة هذا الريف مستمتعا بنكهته ومذاقه المتميز كلما عدت إليه لائذا بحماه من ضوضاء المدينة ومتاعبها المتلاحقة.
لكن الزائر لهذا الريف لأول مرة، قد تفاجئه بساطة المظاهر وأساليب الحياة، ليكتشف بعد تمعن أن هذا التواضع وتلك البساطة تخفي وراءها حقائق مدهشة لا تفتأ تتكشف مع الأيام دون أن يمكن استقصاؤها.. قد يؤثر في نفسك ما يبدو أمام ناظريك من مظاهر الفقر والتخلف، حيث المساكن في هذا الريف متواضعة، فهي في معظمها خيام أو أعرشة اوبيوت مبنية بالإسمنت أو الطين، مغطاة بالزنك أو بالحشائش و أغصان الأشجار، لكن البشر والارتياح والتفاؤل سيعود إليك عندما تدخل أحد تلك البيوت وتتبادل أطراف الحديث مع ساكنيه.
في الغالب يكون القدوم إلى تلك القرى خلال فترة المساء، حيث تنطلق سيارات النقل من العاصمة أو من مدن الأقاليم المختلفة بعد الظهر، وهي محملة بالركاب والبضائع والحاجات المتنوعة، ليكون الوصول قبيل الغروب بالنسبة للمناطق غير البعيدة، بينما يتأخر المتوجهون إلى مناطق أبعد حتى انقضاء عدة ساعات من الليل.
الانطلاق في رحلة إلى إحدى القرى الموريتانية، يتطلب استعدادا منذ الصباح، حيث ينبغي أن تتصل بالمسؤول عن محطة النقل، وتسجل اسمك وأمتعتك ضمن قائمة المسافرين وأمتعتهم، أما الحضور في المحطة، فيجب ان يكون قبل ساعات من الموعد المحدد أصلا للانطلاق، وقد يستمر الانتظار لفترات اطول، قبل أن يؤذن للمسافرين بالصعود. وللإشارة فإن سيارات النقل الخاصة بالريف، هي في غالبها سيارات من نوع "لاند كروزر بيكب" التي حلت محل سفن الصحراء التقليدية (الجـِمال)، ويعود ذلك إلى أن أجزاء من الطرق المؤدية الى اغلب القرى لا تزال رملية، لا يستطيع اختراقها سوى لسيارات ذات الدفع الرباعي، ثم إن معظم تلك السيارات، مكشوفة الغطاء، نظرا لحجم الأمتعة الكبير الذي يتحتم نقله في كل رحلة، حيث تستورد كل تلك القرى تقريبا حاجاتها من المدن الكبرى.
وتتحرك السيارة من محطتها عبر شوارع المدينة وزحمة المرور، ثم تتوقف قليلا للتزود بالبنزين، وليشتري الركاب بعض الأغراض الخفيفة، ثم تنطلق الرحلة عبر الطريق الرئيسي متوقفة من وقت لآخر عند إحدى نقاط التفتيش. ومع حلول اوقات الصلاة ، ينزل الركاب لأدائها، قبل أن يستأنفوا رحلتهم من جديد، لكن السير عبر الطريق المعبد لا يلبث ان يقود الى ممرات رملية متفرعة لا تخلو من وعورة ومشقة، وإثارة للغبار والأتربة.
بالطبع قد يكون الأمر صعبا بالنسبة لمن يسلك تلك الممرات للمرة الأولى، لكنه ليس أكثر من نزهة ممتعة في نظر أبناء هذا الريف الذين اعتادوا مثل هذه الرحلات، فأصبحوا يشتاقون إليها كلما أمضى أحدهم أسبوعا أو أسبوعين في المدينة مكرها لا بطلا، تحت وطأة ظروف العمل.
تتناثر القرى على الطرق الرئيسية ووسط الكثبان الرملية، وعادة ما يكون ضمن ركاب السيارة بعض الأشخاص أو الرسائل المتعلقة بهذه القرية او تلك، مما يستدعى التوقف بها لفترة يسيرة، وهنا يتجمع عدد من الأطفال حول السيارة، بعضهم جاء محتفلا بمقدم أحد أفراد أسرته، والبعض الآخر فضوليون جاءوا يتأملون وجوه الركاب، وما إذا كان بينهم من سبقت لهم معرفة به، وخلال هذا التوقف القصير تتدفق على ركاب السيارة من البيوت المجاورة الأواني المملوءة ب" الزريق" وهو المشروب الموريتاني الأكثر شهرة وانتشارا، والمكون من اللبن الممزوج بالماء.
بعد استراحة قصيرة، تتحرك السيارة، لتواصل صراعها المحموم مع سلاسل الرمال، وسُحُب الغبار، وأغصان الأشجار، ذلك الصراع الذي يجعلك تشعر كلما حمي وطيسه واشتدت وطأته، أن هؤلاء الركاب وهم يعانون من آثاره ومتاعبه، يعيشون إحدى أجمل لحظات العمر، حيث ترتفع الضحكات، وتتناثر النكات والتعليقات والقصص الفكاهية.
وعندما تبدو الشمس محمرة قبيل الغروب بلحظات، وتجد نفسك على مشارف إحدى القرى، لابد أن تشاهد قطعان الماشية من أغنام وإبل وأبقار، وهي تعود من مسارحها إلى مرابضها، حيث تمتزج أصواتها مع أصوات الأهالي وهم يستقبلونها، ومع أصوات الأمهات وهن ينادين أطفالهن الصغار يطلبن منهم العودة فورا إلى داخل البيوت والتوقف عن اللعب حتى الصباح، ثم يشق تلك الأصوات كلها ويعلو عليها صوت المؤذن وهو ينادي لصلاة المغرب: "الله أكبر الله أكبر".
أرسلت بواسطة باسل , May 26, 2007
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























